الشيخ محمد النهاوندي

347

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

الحكم الكلّيّ . ولمّا كان العبد الضّعيف إذا دخل في مجلس الملك العظيم لا بدّ له من أن يستقبله بوجهه ولا يكون معرضا عنه ، وأن يبالغ في الثّناء عليه والتضرّع له والقيام بخدمته ؛ كان استقبال القبلة في الصّلاة جاريا مجرى كونه مستقبلا للملك ، غير معرض عنه ، والقراءة والتّسبيحات جارية مجرى الثّناء عليه ، والرّكوع والسّجود جاريان مجرى خدمته . ثانيها : أنّ المقصود من الصّلاة حضور القلب ، ولا يحصل إلّا مع السّكون وترك الالتفات والحركة ، وهذا لا يتأتّى إلّا إذا بقي في جميع صلواته مستقبلا لجهة واحدة على التّعيين ، فإذا اختصّ بعض الجهات بشرف كان الاستقبال إليها أولى . ونقل عن زردشت أنّه قيل له : اجعل لنا قبلة إذا أردنا أن نتوجّه إلى اللّه نتوجّه إليها ؟ قال : أشرف الموجودات الجسمانيّة هو النّور ، فتوجّهوا له ، فبنوا بيوت النّار فتوّجهوا إليها بعنوان أنّها قبلة . ثالثها : أنّ اللّه تعالى يحبّ الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد ذكر المنّة بها عليهم ، حيث قال : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 1 » . ولو توجّه كلّ واحد في صلواته إلى ناحية أخرى ، لكان ذلك يوهم اختلافا ظاهرا ، فعيّن اللّه لهم جهة واحدة ، وأمرهم جميعا بالتّوجة إليها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك . وفية إشارة إلى أنّ اللّه تعالى يحبّ الموافقة بين عباده في أعمال الخير « 2 » . في حكمة جعل الكعبة قبلة ثمّ ذكروا لتعيين جهة الكعبة حكما : أحدها : أنّ اللّه تعالى خصّ الكعبة بإضافتها إلى نفسه بقوله : طَهِّرْ بَيْتِيَ « 3 » وخصّ المؤمنين بإضافتهم بصفة العبوديّة إليه ، وكلتا الإضافتين للتّكريم ، فكأنّه تعالى قال : يا مؤمن ، أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصّلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك إلى بيتي في خدمتي ، وبقلبك إلى عظمتي . ثانيها : أنّه قيل : إنّ بعض اليهود استقبلوا إلى المغرب لأنّ النّداء جاء إلى موسى عليه السّلام منه ، كما قال اللّه تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا « 4 » والنّصارى استقبلوا المشرق لأنّ جبرئيل ذهب إلى مريم من جانب المشرق ، كما قال تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً

--> ( 1 ) . آل عمران : 3 / 103 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 94 . ( 3 ) . الحج : 22 / 26 . ( 4 ) . القصص : 28 / 44 .